عهد ضد األيديولوجيا والسلوك الناشطي
ظاهرة “الناشطية” والأمولة: رؤية نقدية ومنظور حزب السلام
ساهمت ظاهرة “الناشطية” Activism في صياغة الأفق السياسي والأيديولوجي لكثير من المهتمين والعاملين في الشأن العام خلال العقود الثلاثة الماضية، وهي ليست ظاهرة هامشية على الإطلاق، إذ تسيدت مجالات عدة، ومنها الصحافة والإعلام والأكاديميات والتنظيمات السياسية والعمل الخيري وصناعة الثقافة والترفيه، عبر عمليات “نشطنة”، حوّلت تلك المجالات إلى ما يشبه “المنظمات غير الحكومية”، ونشرت آليات عمل، وأيديولوجيا، وسلوكيات الناشطية بين أكثر من جيل من المتعلّمين.
لعبت “الأمولة” Financialization دوراً أساسياً في عمليات التحويل إلى الناشطية، وتعني بمعناها الشامل: “تحويل المجتمع والثقافة، بكل مؤسساتهما، إلى الاعتماد المتزايد على الأنشطة المالية، وطلب التمويلات، وليس الأنشطة الإنتاجية الفعلية. ضمن شبكات اقتصادية وسلطوية قادرة على التغلغل في أعماق الذات، الجماعية والفرديّة”. وقد وصلت أمولة العمل العام في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2011، الذي كان منطلقاً لكثير من الاضطرابات الاجتماعية، والحروب الأهلية، وانهيار الدول القائمة، بكامل وظائفها الاجتماعية.
في لبنان وحده، بلغ حجم تمويلات “المنظمات غير الحكومية”، 6,7 مليار دولار بين عامي 2020 و2024، بحسب بيانات مصرف لبنان. وقد باتت تلك المنظمات تقوم بوظائف حيوية أساسية، من الإغاثة إلى الإنتاج الثقافي، لدرجة بات معها البلد معتمداً بشكل كبير على هذا نمط من التمويلات؛ وأصبحت فيها “المنظمات” سوق عمل أساسي لكثير من أبنائه. لا توجد في بقية الدول، مثل سوريا ومصر والسودان، بيانات شفافة، توضح حجم التمويلات، وإن كانت على الأغلب لا تقل عن لبنان.
أتت “المنظمات غير الحكومية” معها بأيديولوجيا متكاملة، تقوم على النزعة الحقوقية المفرطة، والادعاء الزائف بتجاوز الأيديولوجيا، والنرجسية الأخلاقية، وسياسات الهوية. ورغم تدخّلها بكل الشؤون السياسية، ومجالات الحيّز العام، إلا أنها تدّعي الحياد الحقوقي والأخلاقي وعدم التسيّس، ما يجعل موقعها ملتبساً، إذ تقوم بأدوار سياسية دون إمكانية محاسبتها ونقدها بصفتها منظمات سياسية، أو نقد خطابها بوصفه أيديولوجيا مفروضة فوقياً عبر التمويل والمؤسسات.
وإذا كانت ظاهرة “المال السياسي” قديمة، ولم يخل منها أي حيز عام حديث، إلا أنها كانت تعتبر ظاهرة هامشية أو مستترة، ونوعاً من فساد التنظيمات السياسية والاجتماعية، لتأثيرها على التمثيل الفعلي لقواعد تلك المنظمات، وشرائها لذمم القادة والكوادر الأساسية. أما “المنظمات غير الحكومية” فهي “مال سياسي” من الأساس، شرعنت هذا بوصفه “حقوقية” و”مجتمعاً مدنياً”.
تساهم تلك المنظمات بتدمير الديمقراطية والمجتمع المدني حيث تحلّ، فهي مؤسسات غير ديمقراطية هيكلياً، تتبع لقرارات وتوجهات مدرائها ومموليها، منظمة هرمياً كالشركات، وليست مسؤولة أمام أي هيئة انتخابية أو قاعدية، كما في حالة الأحزاب والنقابات، بل تعامل المنتسبين إليها كموظفين أو متدربين. وفي الوقت نفسه تلعب دوراً سياسياً حاسماً، خاصة في دول المنطقة، التي لا تعرف حياة سياسية فعليّة، ما يجعل وجودها مناقضاً بنيوياً للديمقراطية، والديمقراطية الاجتماعية.
كما أنها، بما تنشره من نزعات ذاتية وهوياتية، تفتت الحيّز العام إلى “مساحات آمنة”، بدعوى حماية حساسيات فئات معيّنة، تسبغ عليها صفة “الضحّية”، ما يمنع النقاش العام، وتداول الحجج والأفكار، ويفرض “بديهيات” وخطوطاً حمر، بوصفها نابعة من ذات الضحايا المفترضين، أو نتائج لـ”مظلوميات” تاريخية.
تتوافق عوامل كثيرة في نشر هذه الأيديولوجيا عالمياً عبر “المنظمات”، مثل التحولات الاقتصادية والاجتماعية في الدول الغربية في حقبة ما يسمى “نزع التصنيع”؛ والصراع السياسي، الذي اتخذ هيئة “حرب ثقافية” في الولايات المتحدة الأميركية؛ ومسيرة إدماج نخب مجتمعات متعددة ثقافياً في العولمة؛ وتغيّر مفهوم سيادة الدول؛ وانتشار أنماط “العمل غير المادي”، فضلاً عن تدخّل جهات سياسية وتمويلية، ذات أيديولوجيا واضحة، تسعى إلى “ضبط الديمقراطية” ونتائجها، عبر المنظمات غير الحكومية العابرة للحدود. ومن أشهرها الإمبراطورية التمويلية التي تديرها مؤسسة “المجتمع المفتوح”، التابعة للملياردير الأميركي-المجري جورج سوروس.
يمكن تعريف “الناشط” بوصفه فرداً متداخلاً في الشأن العام، لا يعرّف ذاته على أساس محددات ومصالح وضعه الاجتماعي والمهني والطبقي والسياسي، بل على أساس صورته الذاتية، التي تدّعي تمثيل حقوق وأخلاق كونية لا جدل فيها؛ أو صاحبة “تجارب” هوياتية لا يمكن التشكيك بها أو نقاشها، بل أخذها كما هي. ما يجعل الناشط متعالياً بالضرورة على كل ما هو اجتماعي، وصاحب عقائد مطلقة، وميالاً للتظلّم والتشكّي والابتزاز الخطابي للآخرين. بعبارة أخرى، يمكن القول إن الناشط هو عكس العامل، فعلى خلاف من يجدون أنفسهم في موقع اجتماعي، ضمن علاقات إنتاج وهيمنة معيّنة، ويعرّفون أنفسهم على هذا الأساس، ويحاولون تحسين أوضاعهم من قلب العلاقات الاجتماعية القائمة، ونحو تجاوزها، يدّعي الناشط، بشكل مباشر أو غير مباشر، أنه التجريد الأسمى للحق والهوية، ومن خارج أية علاقة إنتاجية واجتماعية، أو صراع سياسي. لا يقتصر التأثّر بالناشطية على موظفي ومنتسبي “المنظمات غير الحكومية”، بل باتت أيديولوجيا عامة، مؤثرة على كثير من الأفراد والمجموعات، نظراً للترويج الكبير الذي حظيت به إعلامياً وثقافياً ومؤسساتياً.
انطلاقاً من مبادئ الديمقراطية الاجتماعية الأساسية، يرفض حزب السلام الناشطية بشكل جذري، ويعتبرها مؤسسة وأيديولوجيا وسلوكاً ونمطاً من الذاتية الفردية، مناهضاً لأساسيات الديمقراطية، وقيم التنوير، والتضامن الاجتماعي والطبقي، والتحرر الفردي والجماعي. ويشير إلى تواطؤ كثير من “المنظمات غير الحكومية” وناشطيها، مع الميليشيات الإرهابية والسلطات الديكتاتورية، خلال سنوات الحرب السورية؛ وكذلك تواطئها مع سلطات الأمر الواقع الحالية، نظراً للشبكات التمويلية والأيديولوجية المعقدة، التي وفّرت لسنوات تمويلاً لأسوأ القوى والسلطات. ما أدى لخلق اقتصاد ظل متكامل، تقاسمته الميليشيات والنظام القمعي والمنظمات، وتستفيد منه سلطات الأمر الواقع اليوم، تحت ستار الإغاثة، و”الاستجابة الإنسانية العاجلة”، و”الدعم” و”المناصرة” و”التمكين”.
يمكن للمنظمات والمبادرات المحليّة أن تضطلع بدور إغاثي أو مجتمعي مشروع، مرتبط بالحاجات المباشرة للناس. إلا أن الناشطية، بوصفها أيديولوجيا وممارسة، تقوم على خلطٍ متعمّد بين الإنساني والحقوقي والسياسي، عبر آليات التمويل والخطاب، وشروط “المناصرة”. هذا الخلط لا يفسد هذه المجالات فحسب، بل يخضع ملايين البشر، ولا سيما الفئات الأفقر، لسياسات تمويلية، وهيمنة أيديولوجية، يصعب تجاوزها أو تفكيكها.
وعليه، يتشارك كل أعضاء حزب السلام، والمرشحين لعضويته، عهداً تأسيسياً، بمواجهة الأيديولوجيا والسلوك الناشطي، ومنع تسرّبه إلى حياتهم الحزبية، ومنظورهم عن الذات الفردية والسياسية، بناءً على المبادئ التالية:
1- ضد خلط الهوية بالتمثيل:
انتماء الفرد إلى هوية معيّنة، قومية أو إثنية أو عرقية أو جندرية أو ثقافية، لا يعني بأي شكل من الأشكال تمثيله لهذه الهوية، أو احتكاره الحديث باسمها، وباسم مطالبها ومظالمها. كما لا يحق له المطالبة بامتيازات أو مراعاة خاصة، بناءً على انتمائه الهوياتي.
2- ضد خلط الأيديولوجيا بالحقوق:
يعتمد حزب السلام مرجعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، بوصفهما إطاراً قانونياً ناظماً للحقوق الأساسية. ويطالب بالمساواة القانونية التامة بين جميع الأفراد، على اختلاف عرقهم وجنسهم وقوميتهم ومعتقداتهم وثقافاتهم. ويرفض، في الآن ذاته، تحويل هذه الحقوق إلى أدوات أيديولوجية، أو إخضاعها لتأويلات قائمة على سياسات الهوية، أو النزعة الفردانية، أو خطاب المظلومية.
وإذ يقرّ بأن القوانين الدولية نفسها نتاج صراعات تاريخية على التأويل، يؤكد الحزب أنه لا يحق لأي طرف احتكار تفسير الحقوق، أو فرض تأويله الخاص لها، بوصفه حقيقة مطلقة أو غير قابلة للنقاش.
3- ضد إشهار الذات الفردية بوجه المجموعة:
يحق لكل فرد التعبير عن رأيه ومعتقداته، ومناقشة أي مسألة، مهما كانت إشكالية. غير أنه لا يحق له اعتبار ذاتيته حُجّة بحد ذاتها، بما في ذلك مشاعره أو تجاربه الشخصية أو مخاوفه أو صدماته، ولا استخدام هذه الذاتية للضغط على المجموعة أو ابتزازها سياسياً بقصد فرض مواقف معيّنة أو تعطيل اتخاذها.
على كل فرد أن يترجم تجاربه الذاتية إلى لغة عمومية قابلة للتحقق والنقد والنقاش، بحيث تصبح التجربة الفردية مصدراً لإغناء العام والمشترك، لا أداة لتفكيكه أو إخضاعه.
4- رفض مفهوم “المساحات الآمنة”:
يرفض حزب السلام مفهوم “المساحات الآمنة”، ويعتبره أداة لحظر النقاش العام، وفرض رقابة على التعبير، وتحويل التجارب الذاتية والحساسيات الهوياتية إلى بديهيات غير قابلة للنقاش. ويعتبر الحزب أن حماية الأفراد من الاعتداء أو الإهانة أو العنف مسؤولية تنظيمية وأخلاقية لا نقاش فيها، لكنها لا تشكّل مبرراً لتعطيل الحوار، أو منع تداول الأفكار، أو إسكات الآراء المخالفة.
يلتزم الحزب بحيز عام مفتوح يقوم على الاحترام المتبادل، لا على تحييد النزاع الفكري والسياسي، ويهدف إلى إخراج أعضائه من الانغلاق الذاتي والهوياتي، نحو فعل تواصلي نقدي تجاه الآخر، بما يساهم في تطورهم الفكري والسياسي، وتطوّر تصورهم عن الذات والمجتمع.
5- ضد التعالي عن الاجتماعي:
يعرّف أعضاء حزب السلام أنفسهم في الحيز العام بموقعهم الاجتماعي، وموقفهم السياسي المستمد من مبادئ الحزب الأساسية. لا يوجد “ناشطون” في الحزب، بل عاملون في مختلف المواقع الاجتماعية والإنتاجية. وسواء كانوا عاملين في مجال الإنتاج المباشر (عمل مأجور أو استثمار خاص)، أو في مجال إعادة الإنتاج (الشروط الحيوية التي تجعل الإنتاج ممكناً مثل العمل المنزلي والعاطفي، حتى لو كان غير مأجور؛ الدراسة والتحصيل العلمي والمهني، إلخ)، أو حتى معطّلين عن العمل.
6- ضد الأمولة:
يرفض حزب السلام، بشكل قاطع، تحويل النشاط السياسي والاجتماعي، والجدل الفكري والأيديولوجي، باتجاه تحصيل واقتناص التمويلات. ويبدأ بنفسه، إذ يرفض تلقي أي تمويل مشروط، من أية جهة، مهما كانت متفقة مع التوجّه العام للحزب. ويعتمد على اشتراكات وتبرعات أعضائه ومناصريه والمتعاطفين معه، التي لا يجب أن تمس أساسيات تنظيمه الديمقراطي الداخلي، والتزامه تجاه قواعده الاجتماعية. ويعمل على مواجهة أي قاموس أيديولوجي، مفروض بشكل فوقي، على العمل السياسي والاجتماعي في المنطقة، ولذلك فهو يعتبر نفسه جانباً من عمل نقدي طويل الَنَفَس، تجاه مفردات الناشطية، ومفاهيمها، المفروضة عبر الأمولة.
حزب السلام بيئة مناهضة للناشطية داخلياً؛ وتنظيم سياسي يسعى لتجاوز الآثار السلبية للناشطية على المجتمع والحيز العام والثقافة. ويعتبر ذلك عهداً أساسياً يجمع أعضاءه وكوادره.


