في جدوى العمل السياسي

في جدوى العمل السياسي

استعادة السياسة والعمل المباشر: رؤية حزب السلام لمواجهة الاستعصاء السوري

عانت شعوب سوريا لعقود طويلة من إغلاق كل آفاق وأطر العمل السياسي، وحُرمت من حقوقها الأساسية في المشاركة والتنظيم والتعبير والتواصل، وخضعت لهيمنة “الحزب القائد للدولة والمجتمع”، وكذلك “القائد الأبدي”. لم يستطع حتى المعارضون الخروج من هذا الاستعصاء السياسي، فقضوا سنوات طويلة في المعتقلات، أو انعزلوا في أوساط مغلقة ومحدودة، شابها كثير من الظواهر السلبية، مثل النميمة السياسية والشخصية؛ والفساد السياسي والمالي؛ والميل للنزعة المؤامراتية؛ والتبعية الكاملة لجهات استخباراتية خارجية؛ أو التعامل مع الاستخبارات المحليّة؛ فضلاً عن الضعف النظري والمنهجي الشديد. لم تنتشر كل هذه الظواهر بين المعارضين بسبب فساد سماتهم الفردية، بقدر رثاثة البنية السياسية والسلطوية، والتي انعكست سلباً على كل المجتمعات والأفراد في سوريا.

لم يتغيّر الأمر جذرياً مع اندلاع الحرب السورية، إذ برزت ميليشيات إسلامية وإجرامية، و”منظمات غير حكومية”، وائتلافات معارضة شكليّة، أعادت إنتاج كل أمراض العمل السياسي السوري، ولكن على مستوى أكثر اتساعاً وعنفاً ودموية، وخضعت بشكل مباشر لتعليمات المُشغّلين والداعمين والممولين، كما ارتكبت، أو تواطأت على ارتكاب وتبرير كثير من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي شهدتها سنوات الحرب؛ ونصّبت نفسها ممثلاً للسوريات والسوريين، بدون أي تفويض منهم، أو حيثية سياسية واجتماعية في أوساطهم؛ كما أنها لم تعترف، تماماً مثل نظام الأسد، بتعددية شعوب سوريا، ومبادئ العلمانية واللامركزية، ولم تطرح أي مشروع سياسي واجتماعي جدي.

بعد سقوط نظام الأسد، وتمكّن المليشيات الإرهابية من السيطرة على حكم دمشق وغرب ووسط سوريا، ازدادت الأوضاع سوءاً، إذ تستمر السلطات الجديدة بإغلاق المجال العام؛ وإعادة تعويم شخصيات متواطئة معها، بصفة “معارضين إيجابيين تحت سقف الدولة”، على طريقة نظام الأسد. ولم تكتف بإلغاء السياسة، بل تسعى لإلغاء الحياة نفسها، عبر نزعتها الإبادية تجاه المغايرين، خاصة مما يُعتبر أقليات إثنية وعرقية؛ واعتدائها الشامل على النساء؛ وسلبها للحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية لشعوب سوريا، ما يجعلها تعاني من أشد درجات الإفقار، التي تصل إلى حد التجويع، فيما يسيطر الإرهابيون وأمراء الحرب على الموارد والأصول الأساسية للدولة. إن استمرار تلك المجموعات الإرهابية بالسيطرة على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية تهديد لاستمرار الحياة في الداخل، وكذلك تهديد بنشر الممارسات الإرهابية والهمجية، على المستوى الإقليمي والعالمي.

بناءً على كل تلك التجربة التاريخية، فقدت فئات واسعة من شعوب سوريا أملها بإمكانية وجدوى العمل السياسي. يطرح كثيرون أسئلة من نوعية: ما فائدة التنظيم السياسي تحت سلطات الإرهاب وتهديد السلاح؟ ما إمكانية العمل العام في حيز عام مغلق أساساً؟ ما جدوى الأحزاب السياسية في بلد لا أطر سياسية فيه، ولا مؤسسات تمثيلية أو تداول للسلطة؟ أي معنى للنضال الداخلي في بلد تتحكّم به القوى الإقليمية والدولية؟ كيف السبيل إلى حياة سياسية متوازنة، وسط فساد وضعف ما تسمى “النخب السياسية السورية”؟

كل هذه أسئلة مشروعة، إلا أنها تسقط من حسابها المعاني الأعمق للسياسة، وهي إدارة شؤون التجمعات البشرية، بوصفها متحدات سياسية حرّة؛ وإطلاق الطاقة السياسية للبشر، ليتحكموا بأساسيات حياتهم، بما في ذلك شؤونهم الحيوية، مثل إدارة شؤون الغذاء، والبيئة، والفضاء الحضري؛ وحق تقرير المصير الذاتي، جسدياً وثقافياً؛ وتحرير العلاقات الاجتماعية من سلطة التطرف الديني والهوياتي. لا تستلزم هذه “السياسة” بالضرورة وجود برلمانات أو مؤسسات سياسية وتمثيلية مستقرّة، فهي سياسة البشر في سعيهم لضمان استمرار حياتهم؛ وطاقة مؤسِّسة لأي إطار سياسي ممكن في المستقبل؛ ونوع من “العمل المباشر”، فإذا كان القمع والاستغلال والإجرام يمارس على البشر بشكل مباشر، فلا بد من مقاومته أيضاً بشكل مباشر، بدون التعويل على مؤسسات نظام سلطوي، غير موجود أصلاً. فما يحكم في سوريا هو الهمجية وليس النظام، أي ممارسات ميليشياوية رثّة تصاعدت بعد تدمير معظم مؤسسات التحضّر، التي كانت هشّة في سوريا أصلاً. لا تمتلك السلطة أي جانب منتج، ولا تهتم ببناء أي ائتلاف واسع، أو أداء أية وظيفة اجتماعية، أو بناء أية مؤسسات جديّة، ما يجعلها لا تستحق صفة “نظام”، وإنما مظهراً لنزع التحضّر.

يعمل حزب السلام على استعادة السياسة بالعمل المباشر، مع التركيز في الوقت نفسه على ضرورة التنظيم الحزبي، بوصفه أداة ضرورية، وليس غاية بحد ذاته. وذلك لتجاوز المشكلات التي تسببها العفوية، أو ما يسمى “التنظيم الأفقي” أو “الشبكي”، وعلى رأسها العشوائية، والشعبوية، والفردانية المفرطة، والفراغ الفكري والنظري، وعدم وضوح الهدف، وغياب البرامج، وانتشار الأيديولوجيا الناشطية، عبر “المنظمات غير الحكومية”، ودورها في إفساد جيل كامل من المهتمين بالشأن العام وتسلسل القيادات التقليدية والدينية والميليشياوية. وفي الوقت نفسه، يساهم في تجاوز المآسي التي سببها نموذج الدولة المركزية، والأمة الأحادية، الفاشل منذ نشأته، والذي أدى اضمحلاله وانهياره في عموم المنطقة إلى موجة من الحروب الأهلية، والإبادات الجماعية، وتصاعد التطرّف الديني والقومي والصراع الطائفي.

يسعى الحزب إلى سياسة قائمة على مواجهة وتفكيك هياكل الحروب الأهلية والإقليمية، وتجاوز الصراعات الدائمة، وضمان استمرار الحياة، عبر عدة خطوات عملية:


1- التسيير الذاتي وحق تقرير المصير:

تنظيم البشر لإنشاء هيئات ومجالس محليّة، في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة قوى الإرهاب، سواء كانت تلك المجالس والهيئات سريّة أو علنية. ومهمتها إدارة شؤون الحياة الأساسية، مثل:

  • تدوين الولادات والوفيات، وتوثيق مختلف الشؤون المدنية للسكان، لعدم السماح للسلطة بالتلاعب في البيانات السكانيّة الأساسية، ما قد يكون ممهداً لتغيير ديمغرافي أو إبادة جماعية.
  • الحماية الذاتية، أي تأمين أعلى تضامن اجتماعي، وحشد كل القدرات والطاقات الممكنة، لحماية السكان المحليين، خاصة النساء، من اعتداءات عناصر الميليشيات المتحكّمة بمناطقهم، وبكل الوسائل الممكنة للدفاع عن النفس، التي يضمنها القانون الدولي الإنساني. مع العلم أن الحماية الذاتية هي منظومة دفاع مجتمعي مدني، وقائي، غير هجومي، ومؤقّت، ومضبوط عبر مجالس تسيير ذاتي ديمقراطي. هدفه تقليل الضرر، وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، في غياب أي سلطة قانونية أو قضائية. يرفض حزب السلام أي شكل من أشكال عسكرة المجتمع، أو سيطرة المسلحين على السكان المدنيين، تحت أي ذريعة، لأن ذلك يعيد إنتاج منطق الميليشيات التي دمّرت سوريا.
  • تنظيم مشاريع اجتماعية وتعليمية وصحيّة وبيئية، تساعد السكان على الاستمرار، وبلورة هوية مشتركة، مستقلة عمّا يُفرض عليهم سلطوياً ومنظّماً، في ظروف التهديد والحصار وتدمير المؤسسات الاجتماعية الأساسية.
  • التمثيل الديمقراطي لكل فئات المجتمع المحلي، خاصة النساء، والطبقات العاملة، والفئات الأفقر، لتتمكن من السيطرة على عالمها الاجتماعي والثقافي، خاصة أنها تدفع الثمن الأكبر لممارسات السلطة، وأكثر من يتعرّض لاعتداءاتها.
  • يمكن أن تتحول تلك المجالس والهيئات إلى اللبنات الأساسية لحق تقرير المصير، إذ أنها، عبر التنظيم والإدارة والحماية الذاتية، تخلق أمراً واقعاً جديداً على الأرض، لا يمكن تجاوزه؛ وتحقق الاستقلالية الفعلية عن الدعوات والممارسات المركزية، التي تحاول السلطات فرضها.

2- التواصل وفتح الحيز العام:

لا يمكن للتسيير الذاتي وحده أن ينتج حياة سياسية جديدة، لكي لا تغرق المناطق المختلفة بالعزلة، أو تميل للانغلاق. يعمل الحزب على فتح مجالات للتواصل والتضامن والحوار وبناء المشترك، بين كل المناطق في الجغرافيا السورية، وبين كل شعوب سوريا، وصولاً لإنتاج برامج سياسية مشتركة، على الصعيد السوري العام، تراعي مبادئ حق تقرير المصير، واللامركزية، والعلمانية، والسلم، وحقوق النساء، والحقوق الأساسية للعمل، والمطالبة بالحد الأدنى من الحقوق السياسية والاقتصادية لكل شعوب سوريا. بما يضمن أن تكون أي كيانات سياسية سورية ناشئة من الظرف الراهن، قابلة للحياة والاستمرار، والتضامن والتعاون، بعيداً عن الصراعات، والتهديد بحروب أهلية جديدة.

كما يشدد الحزب على ضرورة التواصل مع الشعوب والقوى السياسية في المنطقة والعالم، لتأمين أوسع تضامن ضد الإرهاب، ومكافحة السياسات الإبادية والفاشية الرثّة، التي لا تهدد شعوب سوريا فحسب، بل تشكّل خطراً على المستوى الإقليمي والدولي.

يتطلب هذا إعادة إنتاج حيز عام حر، يتمسّك بمبادئ حرية التعبير والمعتقد، والاعتراف بالاختلاف والتعددية، ويرفض أي أفضلية أو تراتبية تتبع للدين أو القومية أو الطائفة، سواء كانت بحجة “دين الدولة”، أو “الأغلبية”، أو “ثقافة المجتمع” المحددة سلطوياً.

3- مواجهة التجهيل والاحتيال الأيديولوجي:

تتعرّض شعوب سوريا لعمليات تجهيل واسعة، عبر وسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، و”المنظمات غير الحكومية”، التي تشوّه المفاهيم السياسية والفكرية الأساسية؛ وتجعل اللغة العمومية غير قابلة لتأسيس التفكير وبناء الحجج؛ وتدمّر أي إطار منهجي ونظري، يساعد البشر على فهم عالمهم، وتوصيف واقعهم بشكل صحيح. هذا التجهيل والاحتيال الأيديولوجي قاتل، وليس مجرد مشكلة ثقافية. فعندما يعجز البشر عن إدراك واقعهم بمفاهيم سليمة ومنضبطة، تقل قدرتهم على حماية أنفسهم من الاعتداءات والجرائم، أو يعوّلون على “مخلّص” خارجي، قد لا يأتي أبداً، وإن أتى فقد يزيد الأوضاع سوءاً، في غياب أي تنظيم أو قوة اجتماعية واعية.

يعتبر حزب السلام التثقيف السياسي والفكري، وتصحيح وشرح المفاهيم الأساسية، ومواجهة التجهيل والاحتيال الأيديولوجي، ونشر قيم التنوير، من مهماته الأساسية، ويسعى إلى تنظيم حلقات فكرية وسياسية لهذا الغرض، تعمل على الأرض، ومدعومة بأشكال متعددة من الإنتاج النظري، والعمل الإعلامي والثقافي والفني، الذي يقوم به كوادر الحزب في الداخل والخارج.


ليست السياسة مجدية وممكنة في سوريا فحسب، بل ضرورة وجودية للاستمرار الحياتي، ومقاومة سلطات الإرهاب المناهضة للحياة، والنساء، والحريّة.

المقالة السابقة

About Us

Our Story

Team

Clients

Testimonials

Social Media

Services

Web Design

Social Media

PPC Advertising

Content Creation

Testimonials

Portfolio

Case Studies

Projects

Success Stories

Latest Posts

Web Design

© 2023 Created with Royal Elementor Addons