بيان ألجل السالم
(امرأة، حياة، حريّة)
عانت شعوب سوريا والدول المجاورة طيلة العقود الماضية من حروب مستمرة، دمرت أساسيات الحياة، وحطمت مجتمعات بأكملها، وأنتجت بنىً وأنماطاً جديدة للتواصل والاقتصاد والسياسة، مرتبطة بالحرب ومآسيها، وعلى رأسها الميليشيات؛ وإقطاعيات الحرب؛ واقتصاد الظل والعصابات؛ وشبكات تلقي المساعدات الإنسانية والتنموية وتوزيعها؛ ومجتمعات النزوح والمخيّمات، ودعوات التطهير العرقي والطائفي والتبادل السكاني. وسط افقار شديد لأغلبية السكان، يصل إلى حد المجاعة؛ وتدمير واستنزاف متصاعد للبيئة الطبيعية وثرواتها والموارد المائية؛ وانهيار المؤسسات الاجتماعية الأساسية، خاصة التعليميّة والصحيّة والقضائية؛ والاستهداف الممنهج للنساء، اللواتي تحمّلن العبء الأكبر لتبعات الحروب والخراب الاجتماعي، في بلدان تطبّع مع الجرائم ضد الإنسانية، ويضيق مجالها العام باستمرار، تحت سيطرة الذكور المسلّحين المتطرّفين.
تتعدد مستويات الحرب في دول المنطقة، وتتراكب بشكل شديد التعقيد، لتشمل التدخلات الأجنبية، والصراعات الإقليمية، والحروب الأهلية، ضمن نظام إقليمي وعالمي يدعم ويحفّز أكثر القوى عدوانيةً واستغلالاً؛ ووسط تصاعد النزعات القومية والدينية العدوانية؛ وفشل المجتمعات في إنتاج المشتركات الوطنية. لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً بل أقرب لنظام متكامل، له بناه وهياكله الراسخة، يعيد إنتاج المآسي، ويستنزف الحياة.
تتواطأ قوى متعددة لاستمرار حالة الحرب الدائمة، أياً كانت مبرراتها وأيديولوجياتها، سواء كانت “مواجهة الاستبداد” أو “مقاومة الاحتلال” أو “بسط سيادة الدولة”، أو “استعادة حقوق تاريخية” لدين أو قومية ما. كل هذه الدعاوى متشابكة في منظومة الحرب، التي لا تنتج إلا القمع والاستغلال، وليست إلا جانباً من النظام الدولي والإقليمي غير العادل، مهما ادعت محاربته، فهي “ظله”، بالمعنى الاقتصادي والسياسي، الذي يمدّه بميليشيات المرتزقة، والوكلاء المحليين، والعصابات، التي تدير اقتصاد جريمة وفساد واسع النطاق، لا غنى عنه للنظام، الذي يحتاج دوماً لهوامش فاسدة، تسود فيها حالة استثناء دائمة، لا تنطبق عليها القوانين المحلية في دول المركز، أو حتى القانون الدولي الإنساني.
السلم في هذا الشرط ليس مجرد نوايا خيّرة، أو أحلاماً طوباوية، أو ميلاً اجتماعياً للنضال اللاعنفي، بل ضرورة لاستمرار الحياة، وتحريراً لشعوب المنطقة من هياكل الحرب. وهو لا يعني فقط وقف الحروب، بل نضالاً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً لتدمير هياكلها، وجهداً لبناء مشروع السلم الدائم.
عرفت المنطقة كثيراً من النزعات العدوانية والعسكرية، إلا أنها أيضاً شهدت نضالات متنوعة لأجل السلم. شعار “امرأة، حياة، حرية”، العائد للحركة الديمقراطية والتقدمية الكردية، يكثّف مضمون وغايات أي مشروع للسلم الدائم: الاستمرارية الحياتية، العيش الكريم، والتحرر من كافة أشكال القمع.
يتبنى حزب السلم شعار “امرأة، حياة، حرية”، كما فعل عدد من شعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب الإيراني، في مواجهته للاستبداد الديني والسياسي. ويؤكد الحزب أن النضال من أجل السلم، في سوريا والمنطقة، لا يمكن أن ينفصل عن النضال لأجل الحرية والمساواة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وفق المبادئ التالية:
1- الحماية الذاتية بدلاً من الحرب:
وقف كل الأعمال القتالية، أيّاً كانت مبرراتها، حتى لو كان ذلك من طرف واحد، والدعوة إلى التفاوض لإنهاء الحروب. مع تنظيم المجتمعات وفق مبدأ الحماية الذاتية، لحمايتها من الاعتداءات، وخاصة المجتمعات المهددة بالإبادة الجماعية.
الحماية الذاتية تشمل كل الأشكال المشروعة للدفاع عن النفس، سواء كانت مسلحة عند الضرورة، أو سلميّة. والأساس فيها تنظيم المجتمعات ذاتياً، وتعزيز روابطها، لتصبح قادرة على رد الاعتداءات؛ والتحذير المبكّر منها؛ وتقديم الحماية والدعم لأفرادها؛ ورعاية المتضررين والضحايا.
التأكيد على الطبيعة الاجتماعية للحماية الذاتية، وسيادة المجتمع على تسيير شؤونه الأمنية والدفاعية، وتنظيمها ديمقراطياً، يكفل عدم تحوّل “الحماة” إلى مستبد جديد، مستعلٍ على مجتمعه، ومساهٍم في المزيد من تمزيقه. التأكيد أن الحماية الذاتية هي آلية مجتمعية–ديمقراطية مؤقتة، تخضع لرقابة شعبية، وتنتهي بعودة مؤسسات الدولة الديمقراطية.
2- مرجعية القانون الدولي الإنساني:
اعتماد القانون الدولي الإنساني، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، واتفاقيات مناهضة التعذيب والتمييز ضد المرأة، مرجعيةً أساسية لوقف الحروب في دول المنطقة. إضافة إلى المطالبة بتفعيل القرارات الدولية الخاصة بالنزاعات في دول المنطقة، ومحاسبة جميع الأطراف على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، والالتزام بمسار الانتقال السياسي في سوريا، وفق الشرعية الدولية، وهي المرجعية القانونية الأساسية للنضال لأجل السلم، ولأي عملية تفاوضية بين الأطراف المتحاربة.
3- التضامن:
لا يمكن وقف الحروب إلا بتضامن المتضررين منها، بما يتجاوز خطوط النزاعات، والحدود السياسية والثقافية واللغوية والدينية. يُنهي مبدأ التضامن فكرة وجود شعب أو مجتمع عدو، ويفتح إمكانية التواصل والتفاهم بين أصحاب المصلحة في وقف الحرب، وهم أغلبية الفلاحين والعمّال وصغار المهنيين، والنساء، والفئات الأفقر. كما يمكن لذلك التواصل إقناع فئات متزايدة بعبثية الحروب، والفرص المشتركة التي يؤمّنها السلم، ويزيد من إمكانية فهم الآخر، بعيداً عن تراكم الخطابات العنصرية والمتطرّفة دينياً، ويدعم الصداقة بين الشعوب، على مبدأ الاعتراف المتبادل.
4- محاربة التطرف الديني والقومي:
تشكّل النزعات الدينية والقومية المتطرفة أساس النزعة العدوانية في المنطقة، وتجعل كثيراً من الصراعات غير قابلة للحل والتفاوض، كما أنها تُستخدم لإدامة سلطة أمراء الحرب وإقطاعييها، وتؤدي لاضطهاد فئات متعددة، بحجة قضايا متعالية ومقدّسة. كما أنها تقوم على نزعة عنصرية وإلغائية تجاه الآخر، وتحاول فرض هويّة أحادية على مجتمعاتها. وبالتالي فلا يمكن التهاون مع هذه النزعات، ولا بد من محاربتها على كل المستويات، وبكل الوسائل الشرعيّة، وفي كل معسكرات النزاعات. والتأكيد على قيم العلمانية، والتنوير، والعقلانية التواصلية، ضرورة حيوية لإنهاء الحروب الدائمة في دول المنطقة.
5- بناء هياكل السلم:
لا يكتفي النضال لأجل السلم بالسعي لوقف الحروب، وإنما يعمل على بناء عالم أكثر عدلاً، وأكثر قابلية للاستمرار، بما يقلل من عوامل النزاع. ولذلك فإن التركيز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتوزيع الأكثر عدالة للثروة، وضمان حقوق العاملين، والمساواة الكاملة للنساء، وإنهاء استغلالهن، والعنف الممنهج ضدهن، والحفاظ على البيئة، والاستخدام الرشيد للموارد، أساس لبناء هياكل السلم المستدام. كما أن التركيز على حرية المعتقد والتعبير، يساهم في بناء حيّز عام مفتوح، يتداول فيه الفاعلون الاجتماعيون المختلفون أفكارهم وحججهم، بما يمكّنهم من إيجاد حلول تفاوضية، وبناء المشتركات والمفاهيم عن الصالح العام، بعيداً عن الإلغاء والأحادية، المولّدين للانقسامات والصراعات العنيفة.



